مقالات
"نداء ورجاء للأئمة ألاّ تتهاونوا بالجمع بين الصلوات"
آخر تحديث 26/12/2012 | 11:13
د. مشهور فواز- محاضر في كلية الدعوة والعلوم الاسلامية

إنّ الصلاة عهد وميثاق بين العبد وربّه، وهي أمانة ثقيلة ورابطة متينة بحيث إذا حسنت تلك الرابطة انعكست آثارها على سلوكيات الفرد وأخلاقياته وتصرفاته.

وممّا يؤكّد ذلك ما رَواه الطبرانِيُّ عن النبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنهُ قال: "أَوَّل ما يُحَاسَبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ الصلاة، فإنْ صَلحَتْ صَلحَ لَهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وإِنْ فسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ".

أي أنّ الذي لا يُصلِحُ صَلاَتَهُ من حيث الحفاظ على هيئاتها وآدابها وأركانها وشروطها دَخَلَ الخلل إلى سائرِ أعمالِهِ، ومَن كَانَتْ صَلاتُهُ تامة كاملة تكون سائرُ أَعمالِهِ تكونُ صحيحةً على التَمَامِ.

ومن المحافظة على الصّلاة، المبادرة بها في أوّل مواقيتها، وفي ذلك فضل عظيم، وهو دليل على محبّة الله وعلى المسارعة في مرضاته ومحابِّه.

وكان الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه، فقيل له: مالك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: جاء وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبيْن أن يحملنها وأشفقن منها وحملتـُها.

ويروى عن علي بن الحسين: أنّه كان إذا توضأ اصفر لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟!

أقول هذه الكلمات وكلي ألم لما أراه من التهاون في الأخذ برخصة الجمع بين الصلوات بسبب المطر في هذه الأيام، بحيث أنّ هناك بعض الحالات التي يجمع فيها بعض الأئمة استرضاءً للمصلين وتخفيفًا عنهم – بتوهمه - وهو لا يدرك أنّه قد أتى بابًا من أبواب الكبائر، وذلك لأنّ الجمع بغير عذر من الكبائر، كما بيّن ابن حجر الهيتمي في كتابه "الزواجر".

لذا أرى أنّ من الواجب المحتّم والأمانة الشرعية أن أضع بين يديّ إخواني الأئمة ضوابط وشروط الجمع بين الصلوات بسبب المطر ؛من باب النصح والتعاون على البر والتقوى:

أولا: اتفقت كلمة المذاهب الأربعة على عدم جواز الجمع بسبب البَرْد وليس (البَرَد) سواءً بين المغرب والعشاء أم بين الظهر والعصر من باب أولى، كذلك يحرم الجمع بسبب الريح ولو كان شديدًا بين الظهر والعصر اتفاقًا، وانفرد الحنابلة بجواز الجمع بسبب رياح شديدة في ليلة مظلمة باردة بين المغرب والعشاء تحديدًا.

ثانيا: انفرد المذهب الشافعي بجواز الجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر ولو كان يوم جمعة بشروط وقيود شديدة يجب الالتزام بها وعدم التفريط بشرط منها، وإلاّ حرم الجمع وبطلت الصلاة بالاتفاق لأنّها لا تستقر حينئذ على مذهب بحدِّة، ومع ذلك نصّ المذهب الشافعي على عدم استحباب الجمع بين الظهر والعصر ولو توفرت الشروط، خروجًا من خلاف الجمهور.

فقد اشترط الشافعية للجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر: أن يكون المطر ونحوه موجودًا عند تكبيرة الإحرام فيهما (أي الظهر والعصر) وعند السلام من الصلاة الأولى حتى تتصل بأول الثانية ولا يضر انقطاع المطر في أثناء الأولى أو الثانية أو بعدهما.
وصفة المطر الذي يبيح الجمع عند الشافعية هو ما يبلّ أعلى الثوب أو أسفل النعل ومثل المطر الثلج والبَرَد. (انظر: مغني المحتاج، للخطيب الشربيني، 1 \ 529)، المجموع شرح المهذب، للنووي، 4 \ 249، 253)، الحاوي للماوردي (2 \ 394).
وبناءً على ذلك فما يفعله بعض الأئمة من الجمع بسبب البرْد والريح والمطر المتوقع بين الظهر والعصر لا يصح اتفاقًا ولا يشفع له مذهب من المذاهب المعتبرة!!
ثالثا: يجوز الجمع بين المغرب والعشاء عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة على تفصيل واختلاف بينهم في أسباب الجمع بين المغرب والعشاء.
أ. أما بالنسبة لمذهب السادة الشافعية بخصوص الجمع بين المغرب والعشاء فإنّها نفس شروط الجمع بين الظهر والعصر كما سبق بيانها آنفًا.
ب. أجاز المذهب الحنبلي الجمع بين المغرب والعشاء خاصة بسبب الثلج أو البَرَد (وليس البَرْد) أو الجليد أو الوحل أو الريح الشديدة في ليلة مظلمة باردة أو المطر الذي يبلّ الثياب ويترتب عليه حصول مشقة، شريطة أن ينوي الجمع عند تكبيرة الإحرام في الصلاة الأولى، ووجود العذر المبيح للجمع عند افتتاحهما (أي عند تكبيرة الإحرام في الصلاتين) وعند السلام من الأولى، واستمرار العذر إلى فراغ الثانية. (انظر: الفروع، لابن مفلح، (2\68)، المغني، لابن قدامة (2\ 271). ومعنى ذلك أنّ المذهب الحنبلي اقتصر جواز الجمع على صلاتي المغرب والعشاء، واشترط وجود عذر من الأعذار السابقة عند تكبيرة الإحرام لصلاة المغرب وعند السلام منها، ولا يشترط استمرار العذر ما بين تكبيرة الإحرام للمغرب والفراغ منها، ولكن يشترط وجوده عند تكبيرة الإحرام للصلاة الثانية، وهي العشاء، واستمراره إلى الفراغ منها.

ت. وأمّا بالنسبة لأسباب وظروف الجمع عند المالكية بين المغرب والعشاء فيه على النحو التالي:
أجاز فقهاء المذهب المالكي الجمع بين المغرب والعشاء خاصةً بسبب مطر غزير يحمل أواسط النّاس على تغطية رؤوسهم أو بسبب مطر متوقع بحيث إن لم ينزل المطر بعد ذلك فإنّه ينبغي عندهم إعادة الصلاة.
قال الدردير في الشرح الصغير (1 \ 490): "ورخص في جمع العشاءين (يقصد المغرب والعشاء) فقط جمع تقديم بكل مسجد تقام فيه الصلاة، ولو غير مسجد الجمعة، لمطر واقع أو متوقع أو طين مع ظلمة"، وقال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير: "قوله المتوقع: إن علم كثرته بالقرينة فإن تخلف ولم يحصل فينبغي إعادة الثانية في الوقت كما في مسألة سلامة المغمى – كما في الخرشي".

كما وأجاز المذهب المالكي الجمع بين المغرب والعشاء بسبب طين وظلمة معًا، وهو وحل كبير يحمل أواسط النّاس على خلع أحذيتهم. (راجع: الخرشي على مختصر سيدي خليل (2 \ 67)، المدونة للإمام مالك، 1 \ 115).

ولا يخفى على أحد أنّ هذا السبب وهو الوحل مع الظلمة لا يكاد يكون موجودًا في حياتنا اليومية نظرًا لصيانة الشوارع في القرى والمدن وانتشار الإضاءة فيها.

إلاّ أنّ المذهب المالكي لم يشترط كالشافعية والحنابلة وجود المطر عند التسليم من الأولى وافتتاح الصلاة الثانية، وإنّما اكتفى بوجوده عند الشروع في الصلاة الأولى، فإن انقطع بعد الشروع في الأولى جاز له الجمع لا إن انقطع قبل الشروع فيها.

الخلاصة: يتبيّن ممّا سبق أنّه يحرم الجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر إلاّ إن كان المطر نازلا أول الصلاتين، وهذا أيسر الأقوال في المسألة وهو قول الشافعية، وأمّا بين المغرب والعشاء فيجوز الجمع إن كان المطر نازلا أول الصلاة الأولى فقط بناءً على قول المالكية، وهو أيسر الأقوال في المسألة، ولا يشترط استمراره ولا وجوده أول صلاة العشاء كما اشترط الشافعية والحنابلة. ومن الجدير بالذكر أنّنا لا ننصح بالأخذ برخصة المطر المتوقع بين المغرب والعشاء لأنّ هذا الأمر لا ضابط له وسيخضع لتخمين الأئمة والنّاس، خصوصًا وأنّ المالكية يقولون: ينبغي الإعادة إن لم ينزل قبل العشاء.

هذا ومن قرأ نصوص الفقهاء في ثنايا هذا المقال بعين الإنصاف وبموضوعية يعلم أنّني ما شدّدت وما حملت النّاس على مذهب بعينه كما أتهم من البعض وإنّما اخترت من بين الأقوال أيسرها ولا يمكن التيسير أكثر من ذلك وإلاّ سيكون تسييبًا، وأربأ بنفسي وبإخواني أن نكون من أولئك، فيا ليت قومي يعلمون!!

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
نص التعليق
ارسل
1
هناك فتاوى وأقوال أخرى
بارك الله فيك يا شيخنا العزيز ، ولكن وددت التعليق على مقالك هذا بداية بالتذكير بأن هناك فتوى تخالف ما تفضلتَ به حيث تم نشرها في صحيفة صوت الحق والحرية في السنة الماضية. فرجاء التخفيف على الناس والأخذ بما هو أيسر. فعلى سبيل المثال لا الحصر لقد أفتيت حضرتك بتحريم صندوق الاستكمال بينما حلله كثير من مشايخ الحركة الاسلامية الافاضل .فما دام الأمر كذلك فرجائي من حضرتك الأخذ بفتوى المجمع الفقهي للحركة وهو التخفيف على الناس، وأذكرك بالحديث ( أراد أن لا يحرج أحدا من أمته). وشكرا
عبد الله - 26/12/2012
بلاد الله الواسعة
2
أليك هذه الفتوى من الموقع المحترم : الشبكة الأسلامية........يا شيخنا الفاضل يسر ولا تعسر
أما الإمام الشافعي فإن الجمع بين الظهر والعصر عنده جائز في المطر. ومن أجل ذلك فقد نص الفقهاء من الشافعية على جواز الجمع بين صلاة الجمعة وصلاة العصر، و ذكره الإمام النووي ونسبه إلى جماعة . وهو الأظهر إن شاء الله . وعليه فإن جمع صلاة الجمعة مع العصر بسبب المطر جائز . والله تعالى أعلم.
عبد الرحمن - 26/12/2012
3
صدقت شيخ مشهور
أؤكد لك أنني مقتنع كل كلمة قلتها عن الأئمة الذين يجمعون الصلوات لإرضاء الناس ... كما وأؤكد لك أن بعض الأئمة يجمعون الصلوات حتى لا يهجر الناس " مساجدهم " ويتحولوا للصلاة في مساجد أخرى وأحيي فيك هذه الشجاعه .. فهذا الذي نحن فيه هو دين يُتَعبّد به لله ررب العالمين وليس مكان للمجاملات .. وقد لاقيت في مسجدي حربا ضروس بسبب تمسكي بما تفضلتَ به .. ولكن الله أعانني وسار ركب المصلين في المسجد بعد أن تم إقناعهم بالفتوى الصحيحة
يوسف الباز - 26/12/2012
اللد
4
خلى الشيخ مشهور يرد على الشيخ الباز علشان الكلام لا يليق بالمشايخ الزمن زمن تيسير مش تعسير
ام انور - 06/01/2013