من الواضح أن الولايات المتحدة وكندا على خلاف بشأن انتقال بارتي خلال كأس العالم.

|
مُنع بارتي من دخول كندا في اللحظة الأخيرة. |
قبيل انطلاق كأس العالم 2026، سلط حادثان متتاليان تورط فيهما الحكم الصومالي عمر أرتان ولاعب خط الوسط الغاني توماس بارتي الضوء على حقيقة مثيرة للتفكير: عندما تمتد البطولة عبر ثلاث دول مضيفة ذات سياسات مختلفة، يمكن أن يصبح الأشخاص أنفسهم في عالم كرة القدم ضحايا للمناقشات السياسية خارج الملعب.
تُظهر الحالتان نفس الظاهرة ولكنهما مختلفتان بشكل جوهري.
للوهلة الأولى، تبدو هاتان الحادثتان متشابهتين للغاية: فقد استخدمت الدول المضيفة تفسيراتها الخاصة للقواعد لتجعل من كأس العالم 2026، ولأول مرة، وضعاً يُحتجز فيه المشاركون، سواء كانوا حكاماً أو لاعبين، رهائن وضحايا. إلا أن دوافع الطرفين مختلفة تماماً، وتعكس توجهات سياسية متضاربة تصل إلى حد الانتقام المتبادل.
كانت أول قضية لفتت الانتباه هي قضية الحكم الصومالي عمر أرتان. فعلى الرغم من إدراجه في قائمة الحكام المختارين من قبل الفيفا لإدارة مباريات كأس العالم 2026، إلا أن السلطات منعته من دخول الولايات المتحدة فور وصوله إلى ميامي.
تجدر الإشارة إلى أن هذه ليست قصة تتعلق بكفاءة أرتان المهنية أو شخصيته. يُعتبر هذا الحكم من بين الأفضل في أفريقيا، حيث اختاره الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (CAF) كأفضل حكم للرجال لعام 2025.
يُعتقد أن السبب يكمن في قوانين الهجرة الصارمة التي تطبقها الولايات المتحدة على بعض الدول الخاضعة لرقابة خاصة، بما فيها الصومال. بعبارة أخرى، واجه أرتان عقبات بسبب جنسيته، لا بسبب أفعاله الشخصية.
لذلك، سرعان ما أثار الحادث جدلاً واسعاً. ورأى كثيرون أن حدثاً عالمياً ككأس العالم كان ينبغي أن يسمح للمشاركين الشرعيين بأداء واجباتهم المهنية.
فورًا بعد ذلك، ردّ الغرب. فقد دعا الاتحاد الأوروبي لكرة القدم الحكم الصومالي لإدارة نهائي كأس السوبر الأوروبي، وأثنى عليه ثناءً بالغًا. لم تكن هذه الكلمات سوى انتقاد لسياسة الهجرة الأمريكية في عهد دونالد ترامب، التي تجاهلت حقوق الإنسان.
قد يعجبك أيضاً
مقعد ساخن: اختبار ملك مسابقات الكأسهل كان تصريح المدرب أنشيلوتي للاعبي المنتخب البرازيلي، “كأس العالم 2026 لا تبدأ فعلياً إلا من ربع النهائي”، دليلاً على الغرور؟ فبطل دوري أبطال أوروبا خمس مرات يدرك تماماً أن الفرق الطامحة للفوز بكأس العالم لا تُختبر حقاً إلا عند بلوغها ربع النهائي.
تليها كندا، وهي دولة ذات توجهات يسارية وحليف سياسي رئيسي لأوروبا. رفضت كندا دخول بارتي رغم ترحيبها بالوفد الغاني بأكمله. تُظهر كندا بذلك موقفها من الهجرة، إذ لا تنظر إلا إلى هوية الشخص، لا جنسيته.
لكن لماذا لم تُبلغ كندا بارتي مُسبقًا، بل رفضت اللاعب الغاني قبل موعد المباراة بفترة وجيزة؟ هل كان هذا القرار نتيجةً لحادثة الحكم أرتان؟ وحدهم المعنيون بالأمر يعلمون. من المهم أيضًا التأكيد على أن بارتي مُتهم فقط، وليس مُدانًا، ولا يزال مسموحًا له باللعب في أوروبا كمواطن حرّ بموجب قرينة البراءة.
على الرغم من أن كندا منعت بارتي من اللعب في المباراة ضد بنما بسبب مزاعم الاغتصاب المستمرة، إلا أنه سُمح له بالدخول إلى الولايات المتحدة للعب في مباراتي دور المجموعات ضد إنجلترا وكرواتيا لأنه لم يكن من أي من الدول المدرجة في القائمة السوداء.
من خلال الاتهامات الموجهة ضد بارتي وحظر السفر الكندي الناتج عنها، يتضح أن المضيفين المشاركين والحلفاء يلمحون بشكل خفي إلى شيء ما لترامب فيما يتعلق بالادعاءات السابقة.
|
تم منع الحكم أرتان من دخول الولايات المتحدة. |
عندما لا يعود كأس العالم بمنأى عن السياسة
لعقود طويلة، تبنى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) شعار إبقاء كرة القدم منفصلة عن السياسة. إلا أن كأس العالم 2026 يُظهر أن تحقيق ذلك بات أكثر صعوبة.
لأول مرة في التاريخ، أقيمت البطولة في وقت واحد في ثلاث دول ذات أنظمة قانونية مختلفة، ونهج اجتماعية متباينة، واختلافات عديدة في سياسات الهجرة. علاوة على ذلك، توجد بين هذه الدول الثلاث خلافات سياسية كامنة، لا سيما فيما يتعلق بالهجرة.
يضع هذا الأمر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في موقف صعب. فبإمكان المنظمة وضع جداول المباريات، وتعيين الحكام، أو بيع حقوق البث التلفزيوني، لكنها لا تملك أي سيطرة على سياسات الحدود للدول المضيفة.
قد يعجبك أيضاً
تصريح رونالدو قبل مباراة كأس العالم.يصر كريستيانو رونالدو على أنه لا يزال يتمتع بأعلى مستوى بدني ويحث المشجعين على الحكم على المنتخب البرتغالي بناءً على كأس العالم، وليس على المباريات الودية التحضيرية.
لذا، يواجه كأس العالم 2026 مفارقة. فهو أكبر بطولة في التاريخ، إذ يجمع أكبر عدد من الدول واللاعبين، ويُروج له كرمز للتواصل العالمي. ولكن في هذا السياق تحديداً، تبرز الحدود الوطنية أكثر من أي وقت مضى.
كرة القدم تبقى كرة القدم. الكرة لا تزال تتدحرج على أرض الملعب. لكن قصص عمر أرتان وتوماس بارتي تُظهر أن كأس العالم اليوم ليس مجرد منافسة بين الفرق. أحيانًا، تكفي الخلافات خارج الملعب للتأثير على أكبر بطولة على وجه الأرض.
في عالم يزداد استقطاباً، لم تعد هذه الاختلافات مقتصرة على المناقشات الأكاديمية، بل أثرت بشكل مباشر على المشاركين في كأس العالم.
باختصار، لم يعد كأس العالم بطولة موحدة ومتماسكة عندما تطبق الدول المضيفة سياسات مختلفة، بل ومتضاربة. لقد تحول كأس العالم إلى منافسة بالوكالة، وأصبح اللاعبون والحكام مجرد كرات تُركل هنا وهناك، بينما بات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عاجزًا تمامًا، كجامع كرات يقف على خط التماس ينتظر مكافأته من زجاجة مشروب غازي بعد المباراة.
المصدر:




