أقتصاد

مع انحسار الحرب الإيرانية.. هل يعاود البنك المركزي خفض الفائدة أم يواصل التريث؟

عادت كواليس ومستقبل السياسة النقدية فى مصر لتتصدر صدارة اهتمامات الأوساط المالية والاستثمارية لعام 2026، بالتزامن مع الانفراجة الجيوسياسية المتمثلة فى انتهاء الحرب الإيرانية وانحسار الهواجس التقليدية المرتبطة بإمدادات النفط وسلاسل التوريد العالمية..

وتتجه أنظار المستثمرين وصناديق الأسواق الناشئة صوب الاجتماع المرتقب للجنة السياسة النقدية بالبنك المركزى المصرى والمقرر انعقاده فى التاسع من يوليو المقبل، وسط ماراثون من التساؤلات الفكرية حول مدى جاهزية البيئة التشغيلية لاستئناف دورة التيسير النقدى الخجولة، أم أن صانع السياسة النقدية سيؤثر التريث والتمسك بالنهج الحذر لحين امتصاص الأسواق للمتغيرات الراهنة.

وتكتسب هذه القراءة وزناً نسبياً ثنائياً يجمع بين مؤشرات محلية داعمة أبرزها الهبوط المتتالى لمعدل التضخم السنوى بالمدن المصرية إلى 14.6٪ ووصول التضخم الأساسى لـ13.8٪، تزامناً مع التدفقات القياسية لدفاتر تحويلات المغتربين التى لامست 39.2 مليار دولار، وبين توازنات معقدة ترتبط بملف دعم المحروقات والكهرباء والتحولات التقييدية للبنوك المركزية الكبرى عالمياً.

عمرو الألفى، رئيس قطاع إستراتيجيات الأسهم بشركة «ثاندر» لتداول الأوراق المالية، يرى أن التوقعات الحالية داخل أسواق المال تميل بشكل واضح إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل للجنة السياسة النقدية 9 يوليو المقبل، فى ظل استمرار حالة الحذر التى تسيطر على المشهد الاقتصادى محلياً وعالمياً.

وأوضح الألفى أن البنك المركزى قد يبدأ استئناف دورة التيسير النقدى خلال الفترة المتبقية من العام الجارى، إلا أن ذلك يظل مشروطاً باستقرار الأوضاع الاقتصادية واستمرار تراجع معدلات التضخم إلى مستويات أكثر راحة لصانع السياسة النقدية.

وأشار إلى أن الخفض المتوقع حال اتخاذه قد يتراوح بين 1٪ و2٪ فى الاجتماع الواحد، وهى النسبة التى أصبحت تمثل الوتيرة المعتادة لقرارات التيسير النقدى خلال الفترات الأخيرة، مؤكداً أن أى تحرك فى هذا الاتجاه يبدو أقرب إلى نهاية العام وليس خلال الاجتماع المقبل.

ويعكس هذا الرأى قناعة متزايدة لدى عدد من المؤسسات المالية بأن البنك المركزى يفضل الانتظار حتى تتضح بصورة أكبر انعكاسات التطورات الجيوسياسية الأخيرة على الاقتصاد المحلى، قبل اتخاذ قرار قد يؤثر على استقرار سوق الصرف وجاذبية أدوات الدين الحكومية.

من جانبه، يرى محمد الشربينى، الرئيس التنفيذى لإدارة الأصول بشركة إن آى كابيتال، أن انتهاء الحرب أو توقفها لا يعنى بالضرورة عودة الأوضاع الاقتصادية العالمية إلى طبيعتها بشكل فورى، وهو ما يدفع البنك المركزى المصرى إلى تبنى قدر أكبر من الحذر قبل البدء فى دورة تيسير نقدى جديدة.

وأوضح أن الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد تحتاج إلى فترة زمنية لاستعادة توازنها الطبيعى بعد الصدمات التى تعرضت لها خلال فترة الحرب، لافتاً إلى أن عمليات إعادة بناء البنية التحتية المتضررة فى مناطق النزاع تستغرق وقتاً طويلاً وتؤثر بصورة غير مباشرة على حركة التجارة العالمية وأسعار العديد من السلع.

وأضاف أن هناك عوامل داخلية لا تقل أهمية عن التطورات الخارجية، وفى مقدمتها استمرار برنامج إصلاح دعم الطاقة، إذ إن أى زيادات فى أسعار الكهرباء والمحروقات قد تنعكس على معدلات التضخم خلال الفترات المقبلة، وهو ما يستدعى التريث وعدم التسرع فى خفض أسعار الفائدة.

وترى سلمى طه حسين، مدير إدارة البحوث بشركة نعيم للوساطة فى الأوراق المالية، أن هناك بالفعل مجموعة من المؤشرات الاقتصادية التى تدعم نظرياً إمكانية استئناف خفض الفائدة خلال الفترة المقبلة. وتشير إلى أن التضخم واصل مساره النزولى خلال الأشهر الأخيرة، إذ تراجع معدل التضخم السنوى فى المدن المصرية إلى 14.6٪ خلال مايو، كما انخفض التضخم الأساسى إلى 13.8٪ خلال أبريل، وهو ما يعكس تراجع الضغوط السعرية مقارنة بالمستويات المرتفعة التى سجلها الاقتصاد خلال السنوات الماضية. كما ساهم انتهاء التوترات العسكرية فى تهدئة أسواق النفط نسبياً، إذ تراجع خام برنت من مستويات قاربت 80 دولاراً للبرميل إلى نحو 78 دولاراً، وهو ما قد يساعد على الحد من الضغوط التضخمية مستقبلاً إذا استمرت الأسعار فى التحرك ضمن هذه المستويات.

وتضيف أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج تمثل أحد أهم عوامل الدعم للاقتصاد المصرى حالياً، بعدما ارتفعت بنحو 33.2٪ خلال الفترة من يوليو إلى أبريل من العام المالى 2025/2026 لتصل إلى نحو 39.2 مليار دولار، وهو ما يعزز موارد النقد الأجنبى ويسهم فى استقرار سوق الصرف.

لكن فى المقابل، تؤكد أن هناك عدداً من المخاطر التى تجعل التثبيت هو السيناريو الأقرب خلال الاجتماع المقبل، فالسوق المصرية شهدت خلال الأسابيع الماضية خروجاً لبعض استثمارات الأجانب من أدوات الدين الحكومية، وهو ما يعكس استمرار حالة الحذر لدى المستثمرين الدوليين.

كما ارتفع العجز التجارى خلال أول شهرين من عام 2026 إلى نحو 10.3 مليار دولار، بالتزامن مع وصول الدين الخارجى إلى نحو 163.7 مليار دولار، وهى مؤشرات تفرض ضغوطاً إضافية على ميزان المدفوعات وتدفقات النقد الأجنبي.

ولفتت إلى أن ملف الطاقة يظل أحد أبرز مصادر القلق، خاصة مع رفع أسعار الغاز الطبيعى لبعض الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة وارتفاع الطلب المحلى على الغاز خلال فصل الصيف نتيجة زيادة استهلاك الكهرباء.

وأكدت «سلمى» أن البنك المركزى لا يواجه حالياً معركة التضخم فقط، بل يتعامل مع معادلة أكثر تعقيداً تشمل الحفاظ على استقرار الأسعار وجاذبية الجنيه للمستثمرين الأجانب واستقرار سوق الصرف فى وقت واحد، وهو ما يجعل قرار التثبيت خلال الاجتماع المقبل الأكثر ترجيحاً.

من جانبها ترى هبة منير، محلل الاقتصاد الكلى بشركة إتش سى للأوراق المالية والاستثمار، أن انتهاء الحرب الأمريكية الإيرانية لا يعنى انتهاء تداعياتها الاقتصادية بشكل كامل، مشيرة إلى أن آثار الصراع قد تستمر لفترة من الوقت سواء على المستوى العالمى أو المحلى، وإن كانت بوتيرة أقل مقارنة بفترة اندلاع الحرب.

وأوضحت أن الاقتصاد العالمى لا يزال يواجه تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد التى خلفتها التوترات الجيوسياسية الأخيرة، لافتة إلى أن هناك بعض البنوك المركزية الكبرى اتجهت بالفعل لتشديد سياساتها النقدية، منها البنك المركزى الأوروبى وبنك اليابان المركزى، اللذان رفعا أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة.

وأضافت «منير» أن هذه التطورات تعكس استمرار حالة الترقب لدى صناع السياسة النقدية حول العالم، وهو ما قد يمتد تأثيره إلى الأسواق الناشئة، ومنها مصر، خاصة فى ظل استمرار معدلات التضخم مقارنة بالعام الماضى بسبب تأثيرسنة الأساس، ووجود مخاوف من انعكاسات ارتفاع تكاليف الطاقة وبعض الإصلاحات الاقتصادية المحلية على مستويات الأسعار خلال الفترة المقبلة.

وأكدت أن البنك المركزى المصرى سيظل حريصاً على مراقبة تطورات التضخم والأسواق العالمية قبل اتخاذ أى خطوات جديدة نحو التيسير النقدى، متوقعة أن يسود قرار تثبيت أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة فى الغالب الاعم، فى ظل الحاجة إلى تقييم آثار انتهاء الحرب ومدى انعكاس ذلك على معدلات التضخم وسوق الصرف.

وأشارت هبة منير إلى أن الاتجاه نحو خفض أسعار الفائدة بشكل طفيف لا يزال قائما ولكن بنهاية العام الجارى، خاصة إذا هدأت التوترات الجيوسياسية بشكل كامل واستقرت الأسواق العالمية، مرجحة أن تكون أى تخفيضات محتملة بنهاية العام محدودة وتدريجية بما يتماشى مع تطورات المؤشرات الاقتصادية ومعدلات التضخم.

إبراهيم عادل، محلل قطاع البنوك بشركة مباشر للأوراق المالية، رأى أن انتهاء الحرب يحمل بطبيعة الحال تأثيرات إيجابية على الاقتصاد المصرى من خلال تخفيف الضغوط على أسعار الطاقة وتحسين شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة.

أشار إلى أن خفض الفائدة فى الوقت الحالى لا يزال أمراً مستبعداً نسبياً، نظراً لأن معدلات التضخم الحالية ما زالت أعلى من المستهدفات التى كان البنك المركزى يطمح للوصول إليها بنهاية عام 2026. وأوضح أن التقديرات الحالية تشير إلى أن التضخم قد ينهى العام عند مستويات تتراوح بين 16٪ و17٪، وهو ما يبقى أعلى من المستوى المستهدف سابقاً والبالغ نحو 10٪ . وتوقع عادل أن يشهد الاجتماع المقبل تثبيت أسعار الفائدة لحين التأكد من استمرار تراجع التضخم بعد انتهاء الحرب واستقرار سعر صرف الجنيه، فضلاً عن استقرار أسعار السلع والطاقة عالمياً، وعندها فقط قد يصبح استئناف دورة التيسير النقدى أكثر واقعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى