النصر التقت بهم في جمعية واحة: أطفال يتحدون مرض السرطان ويتمسكون بالرغبة في الحياة

تواجه ميرال، ليان، وشهد مرض السرطان بأجساد غضة أنهكتها الأدوية، التعب من العلاج والعمليات الجراحية، إلا أنهن وأصدقاءهن من الأطفال لم يسمحوا لخلاياه المتطفلة على براءتهم بتشويه عالمهم السعيد، بل قابلوها بعيون متمسكة بالحياة وأمل في غد أفضل، وبحسبهن، فإن هذه الإرادة مستمدة من الحب والدعم العائلي. التقت النصر بالصغيرات في جمعية واحة تضامن، بقسنطينة، حضرن رفقة أمهاتهن لحفلة نُظمت بمناسبة عيد الطفولة، وبالرغم من الحرب الصامتة التي تجري داخل أجسادهن إلا أن منظرهن الخارجي يُحدث الناظر عن رغبة في الحياة وأمل في الشفاء. مثلهن مثل باقي الأطفال الذين صادفناهم هناك، استمعنا لصخب الطفولة وهم يستمتعون رفقة البهلوان، يرقصون على أنغام الموسيقى، ويضحكون، وقد انعكس هذا المرح على أمهاتهم اللواتي كن يرافقنهم فقد بَدَوْن مرتاحات يشاركن أطفالهن السعادة ويلتقطن صورا للذكرى.
ثم طلبنا زيارة «جناح يونس» مكان إقامة الأطفال الذين يأتون من خارج الولاية للعلاج، كان الطابق الأول مهيئ بغرف نوم تحتوي على سريرين واحد للطفل وآخر لمرافقه وحمام، أما الطابق السفلي يوجد به مطبخ، وغرفة أُطلق عليها «فضاء وليد» حيث يلعب الأطفال ويرفهون عن أنفسهم بعد العودة مساء من العلاج الكيماوي، يحتوي على خزانتين مملوءتان قصصا وكراريس للتلوين، فضلا عن ألعاب مختلفة، وهو مفتوح أمامهم طوال اليوم، وقد لفتنا في الغرفة مجموعات فنية من لوحات ملونة رسمها الصغار، وأشكال من الطين والجبس صُنعت بأيديهم الصغيرة ونُقش على كل واحدة منها اسم صاحبها.
بين اللعب و الأنشطة الفنية يصنعون بسمتهمكان ميرال ذات 13 سنة تجلس هادئة تشاهد ما حولها مبتسمة، وبالرغم من الندبة الواضحة على رقبتها بسبب عملية جراحية أجرتها مؤخرا إلى أن ذلك لم يؤرقها بل كانت تحملها كوسام وكأنها محاربة خرجت من حرب ضروس.ومن خلال حديثنا معها لمسنا شخصية قوية وبدا ذلك بالأخص في نظرتها الواثقة، وهو ما أكدته لنا والدتها، أخبرتنا أنها تتعامل مع وضعها الصحي بشكل طبيعي، تردف، أنها في الحقيقة أقوى بكثير مما تبدو عليه لدرجة أنها تتحلى بالشجاعة أكثر من كل أفراد عائلتها في هذه المرحلة الصعبة من حياتها. ثم أخذتنا دردشتنا معها إلى رحلتها مع المرض فقد اكتشفوا منذ سنة فقط أنه يقاسمها جسمها الصغير، لتبدأ في الذبول جراء التعب من العمليات المتكررة والتحاليل الطبية، غير أنها أثبتت أنها محاربة شرسة ولا تقبل الخسارة.وهو ما أكدته لنا الطفلة ميرال قائلة إنها لم تعتبر نفسها يوما تعيش حالة خاصة، بل إن مرضها حفزها على التميز في دراستها وتحصيل معدل جيد، فضلا عن ممارستها هوايات عديدة وأخرى جديدة اكتشفتها في واحة، مثل كتابة الرسائل، والأعمال الفنية.أما أكثر ما ساعدها على مواجهة هذه المحنة الدعم العائلي، ووقوف والدتها إلى جانبها لتخطي هذه المرحلة وقد وصفتها الصغيرة أنها سندها القوي.اقتربنا أيضا من ليان التي كانت تشاهد لاعب الخفة مبتهجة وتتفاعل مع حركاته، كانت ترتدي لباسا رياضيا وينساب من أسفل قبعة رأسها شعرها الطويل المُسرح بطريقة تناسب زيها، أخبرتنا أنها تحب ممارسة لعبة كرة القدم، وتحلم بأن تصبح مهندسة.كما حدثتنا عن صديقاتها اللواتي تلتقي بهن في واحة ووصفت جلساتهن أنها تتميز بالكثير من اللعب والضحك، خصوصا أثناء ممارسة أنشطة مثل الرسم، التلوين، زراعة الورود، أما أكثر نشاط يروق لها فهو التشكيل باستخدام الطين، وقد صنعت منه فنجانا، وحامل نظارات.
كانت والدتها تقف بجانبها وتنظر إليها مبتسمة وتذكرها بأوقات قضتها في واحة، أخبرتنا أن ابنتها تسعد كثيرا عندما تكون قادمة إلى الجمعية، وينعكس هذا على حالتها النفسية أيضا خصوصا عندما تمارس بعض الأنشطة مثل الرياضة.أما بالنسبة لهن كأمهات قالت إنهن يتعاملن مع نفسانيين هناك يقدمن لهن توجيهات ونصائح، فضلا عن إعلامهن بأوقات تواجد الأطباء ليلتقوا بهم ويطمئن على وضع صغارهن، تردف أن المتواجدات هناك أصبحن صديقات يفضفضن لبعضهن ويتقاسمن أوقات جميلة تُروح عن النفس.
٭المكلف بالاتصال في جمعية واحة تضامن علاوة درارجة«فضاء يونس» مجهز بكل وسائل الراحةتحدثنا مع المكلف بالاتصال في جمعية واحة تضامن، وعضو في «جناح يونس» للأطفال، علاوة درارجة، أخبرنا أن هدفهم الأساسي هو توفير ظروف حسنة للمريض تساعد من الجانب النفسي بالأخص بعد عودته من العلاج الكيماوي، وتُفتح أمامه كل الفضاءات المجهزة بكامل الخدمات حيث يستطيع الأطفال ممارسة عدة أنشطة منها الدائمة مثل توفير المبيت، وأخرى غير دائمة تُبرمجها الجمعية كالاحتفال بأعياد ميلادهم، أو مناسبات أخرى، يضيف أنهم يزورونهم أيضا في المستشفى الجامعي.أما عن التعامل معهم، أفاد درارجة أنه يكون بشكل عادي دون ترك مساحة لهم للشعور أن حالتهم خاصة أو خطيرة، بل هم براءة يعيشون في عالمهم الخاص، يضيف، أنهم لا يذكرون أمامهم أي عبارة تثبط عزيمتهم أو حالات توفيت بسبب المرض الخبيث، وعندما سألنا عن ردهم في حالة استفسار الأطفال عن شخص «يونس» الذي تُعلق صورته على الجدار ببهو الجناح، ذكر أنهم يعرفونهم عليه على أنه طفل مثلهم أصيب أيضا بالمرض ليدركوا أنهم ليسوا لوحدهم بل هناك آخرون مروا على الطريق نفسها.
٭الدكتورة سميرة رزيوق متطوّعة في دار واحة قسم الوقاية والمتابعةيوجد تكامل بين العلاج والدعم العائليمن جانبها قالت الدكتورة سميرة رزيوق، متطوعة في دار واحة بقسم الوقاية والمتابعة، إن العائلات عندما يعرفون بإصابة أطفالهم بالسرطان فإن حياتهم تنقلب رأسا على عقب وكأن كارثة حلت على رؤوسهم، فتؤرقهم عدة أسئلة وفرضيات تسبب لهم خوفا شديدا، غير أنه في الأساس أن كل القطاع الصحي والجمعيات مجهزة للوقوف إلى جانبهم خطوة بخطوة، وأتبعت أنهم في هذه الحالة يجب أن يتشجعوا ويمنحوا طفلهم كل الحب، الثقة بالنفس والعناية الكافية وهو أكثر ما يحتاجه. وأردفت رزيوق أنه بفضل التطور العلمي في مجال الطب فمعظم الحالات تماثلت للشفاء عندما تكون هناك متابعة للعلاج والتحاليل، مرافقة الطبيب النفساني، وعائلة داعمة تنير الأمل لدى الصغير، وأعقبت أنه يمكن أن يُشفى وكأن المرض لم يزر جسده يوما.
وأشارت إلى بعض الأعراض والتغيرات التي قد تطرأ على الطفل ويجب أن تُأخذ بعين الاعتبار مثل اصفرار الجسم، الشعور بإرهاق مستمر، آلام العظام، قيء، أو ظهور كتلة في الجسم وهنا يجب التوجه مباشرة نحو الطبيب. تضيف رزيوق أنه في حالة تشخيص المرض يجب على الآباء العناية بمراجعة الطبيب في أوانها، بالإضافة إلى إجراء التحاليل اللازمة، ومرافقة الطفل خطوة بخطوة تفاديا للمضاعفات وتدهور حالته، لأن مرحلة العلاج، وفقا لها، تكون صعبة ومرهقة خصوصا إذا كان الطفل يتلقى العلاج الكيماوي، كما نصحت بتجنب تعريض مريض السرطان للشاشات خصوصا الألعاب الالكترونية تفاديا للأشعة، التعب الذهني، الانفعالات والقلق الذي تسببه ويؤثر بدوره على العلاج. وعن الوقاية من الإصابة بالمرض نصحت الدكتورة بتجنب تعريض الأطفال للشمس، والتدخين أمامهم، وكذا تجنب تعريضه لأشعة «الراديو» في حالة لم يحتج لذلك، وعقبت في هذا السياق أن أمهات يفرضن على الطبيب إجراء ذلك حتى في حالة غياب إصابة واضحة لدى الطفل عند سقوطه، تضيف أنه يجب العناية بالتغذية الصحية والمتوازنة للطفل، مع منعه من تناول الوجبات السريعة، أو التي تحتوي على مواد حافظة والحرص على أن يمارس أنشطة رياضية تناسب سنه.
إ.ك

