كأس العالم 2026 والتحكيم غير العادل ضد النساء.

المفارقة الاقتصادية والفجوة بين الجنسين في كرة القدم الحديثة.
ستُقام بطولة كأس العالم 2026 على نطاق غير مسبوق، حيث ستضم 48 فريقاً و104 مباريات لأول مرة. ومن المتوقع أن تجذب البطولة نحو 6 مليارات مشاهد حول العالم، وأن تُدرّ عائدات قياسية للفيفا، تصل إلى 9 مليارات دولار هذا العام وحده.
لم يسبق لكرة القدم للرجال أن بلغت هذا المستوى من الثراء. في المقابل، تشهد كرة القدم النسائية نموًا قويًا أيضًا، حيث من المتوقع أن تصل إيراداتها العالمية إلى 3 مليارات دولار، مسجلةً بذلك زيادة ملحوظة مقارنةً بالسنوات الأربع الماضية. في الواقع، سجل منظمو كأس العالم للسيدات 2023 رقمًا قياسيًا بلغ نحو ملياري مشاهد عبر الشاشات. هذا يدل على تزايد اهتمام الجمهور وحبه الكبير لبطولات كرة القدم النسائية.
مع ذلك، لا يزال واقع كرة القدم الحديثة يشهد فجوات كبيرة في الدخل والسلطة بين الجنسين. والدليل الأوضح على ذلك هو الغياب التام للاعبات من قائمة فوربس لأعلى 50 رياضيًا دخلًا في العالم، والتي نُشرت في مايو الماضي. حتى في كأس العالم للسيدات، ورغم جهود المنظمين لزيادة الجوائز المالية بشكل ملحوظ، فإن إجمالي جوائز فرق السيدات لا يزال يمثل ثلث جوائز بطولة الرجال فقط.
يتجلى هذا التفاوت أيضاً في نظام الإدارة والتنظيم. فنسبة النساء اللاتي يشغلن مناصب قيادية في الاتحادات الرياضية الدولية حالياً تقل عن 32%، وعدد المدربات المحترفات لكرة القدم على مستوى العالم لا يتجاوز 5%. يُظهر هذا الواقع أن القرارات المصيرية التي تُحدد تدفق الأموال ومستقبل كرة القدم العالمية لا تزال في أيدي الرجال إلى حد كبير. وهذا يخلق مفارقة: فبينما يتطلب الملعب أقصى درجات التفاني من اللاعبات، فإنه لم يمنحهن بعد المكانة والحقوق التي يستحقنها.
الجوانب الخفية للمجتمع وراء مباريات كرة القدم.
قد يعجبك أيضاً
بعيدًا عن الأرقام الاقتصادية، يكشف عدم المساواة بين الجنسين في كرة القدم عن وجهٍ أكثر رعبًا في زوايا المجتمع الخفية. فطبيعة كرة القدم هي إثارة المشاعر، ولكن عندما تُدفع مشاعر الرجال الجياشة إلى ذروتها بسبب نتائج المباريات، تصبح النساء ضحايا.
أصدرت هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة (هيئة الأمم المتحدة للمرأة) أرقاماً مقلقة من دراسات اجتماعية: ففي البرازيل، في الأيام التي يلعب فيها المنتخب المحلي، يرتفع السلوك التهديدي تجاه النساء بنسبة 23.7%، ويزداد العنف الجسدي بنسبة 20.8%. ويتكرر هذا الاتجاه المقلق أيضاً في الولايات المتحدة (زيادة بنسبة 10% بعد الهزائم غير المتوقعة على أرضه)، وفي إنجلترا واسكتلندا خلال بطولات كأس العالم السابقة.
حتى النساء اللواتي يخترن كرة القدم كمهنة، من الحكمات والمراسلات الرياضية إلى المدربات، يضطررن للتعايش مع موجة التحرش والإساءة، سواءً عبر الإنترنت أو في الواقع، والتي يفتقر نظام الدوري إلى آليات حماية فعّالة لها. صحيح أن كرة القدم تربط العالم، لكنها في الوقت نفسه، تُقرّب خطر العنف من النساء في بيوتهن.
الملعب ليس متحيزاً.
إن الرسالة التي تريد هيئة الأمم المتحدة للمرأة التأكيد عليها في كأس العالم 2026 واضحة: كرة القدم لديها القدرة المطلقة على تغيير التصورات المجتمعية، ويجب استخدام هذه القدرة لحماية النساء والفتيات.
حالياً، تتخلى الفتيات دون سن الرابعة عشرة عن ممارسة الرياضة بمعدل ضعف معدل الأولاد. ولا يعود سبب تخليهن إلى نقص الموهبة، بل إلى عوائق خفية: كالقوالب النمطية الجندرية، والمخاوف الأمنية، وغياب نماذج نسائية مؤثرة في وسائل الإعلام.
عندما تُجبر فتاة على التخلي عن شغفها بالرياضة بسبب حواجز التمييز، لا يخسر المجتمع رياضيةً محتملةً فحسب، بل والأهم من ذلك، تخسر هي فرصة تنمية ثقتها بنفسها، وقدرتها على الصمود، ومهاراتها الإدارية منذ الصغر، وهي أسسٌ جوهريةٌ لاستقلالها في المستقبل. فالرياضة ليست مجرد ترفيه، إذ تشير الأبحاث إلى أن الفتيات اللاتي يمارسن الرياضة يملن إلى مواصلة التعليم العالي، وتحقيق استقلال مالي أكبر، ومعرفة كيفية حماية أنفسهن من العنف.
قد يعجبك أيضاً
استكشاف المواهب الكروية النسائية الشابة في فيتنامكجزء من برنامج تطوير كرة القدم النسائية الشابة، قام الاتحاد الفيتنامي لكرة القدم (VFF)، بالتعاون مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، بتنظيم أنشطة استكشاف المواهب لكرة القدم النسائية في ثلاث مناطق في جميع أنحاء البلاد.
وجهت ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة نداءً قوياً موجهاً مباشرة إلى البطولة الجارية: “لا تملك أي حكومة أو حملة أو منظمة على وجه الأرض قوة كرة القدم لجعل مليارات البشر يتحدون في وقت واحد. هذه القوة، إذا وُجهت نحو المساواة بين الجنسين، ستكون القوة الأكثر تأثيراً عاطفياً والأكثر صدى ثقافياً للتغيير اليوم”.
أثبتت دورة الألعاب الأولمبية في باريس 2024 أن التوازن التام بين الرياضيين والرياضيات بنسبة 50-50 أمر ممكن تمامًا. وستكون بطولة كأس العالم للسيدات 2027، وهي الأولى التي تُقام في أمريكا الجنوبية (البرازيل)، علامة فارقة جديدة. لكن في الوقت الراهن، بينما يترقب مليارات البشر كل لحظة من بطولة كأس العالم 2026، يتعين على “ملك الرياضة” الوفاء بمسؤولياته الأخلاقية. فكلما كبرت الساحة، زادت المسؤولية؛ يجب أن تكون كرة القدم ملكًا للجميع، بشكل عادل وآمن.
المصدر: unwomen.org
المصدر:




