كشف كأس العالم 2026 عن اتساع الخلاف العالمي حول أسواق التنبؤ، وهي الأولى منذ أن شهدت منصات مثل “كالشي” و”بولي ماركت” انتشاراً واسعاً وشعبية كبيرة كوسيلة جديدة للمراهنة على الرياضة. وفي الوقت الذي يستطيع فيه المشجعون في الولايات المتحدة المراهنة بمليارات الدولارات على نتائج المباريات وأداء اللاعبين، تتجه دول عديدة حول العالم إلى تشديد القيود على هذه المنصات أو حظرها بالكامل، ما يجعل إمكانية المشاركة في هذه الأسواق مرتبطة بشكل متزايد بمكان إقامة المستخدم، وفقاً لـ”بلومبيرغ”.
وذكرت الوكالة أن محللي شركة “بيرنشتاين” يتوقعون أن تضيف البطولة نحو ثلاثة مليارات دولار من الرهانات الجديدة، وأن ترفع أحجام التداول عبر منصات المراهنات الرياضية، وأسواق التنبؤ إلى ما يقرب من عشرة مليارات دولار.
وفي الأسابيع الماضية، فرضت إسبانيا وإندونيسيا والهند قيوداً جديدة على الوصول إلى منصات “كالشي” و”بولي ماركت”، لتنضم إلى قائمة متنامية تضم معظم دول الاتحاد الأوروبي وأجزاء واسعة من آسيا التي اتخذت إجراءات مماثلة بصورة مؤقتة أو دائمة. بدورها، أغلقت البرازيل في إبريل/ نيسان الماضي منصات التنبؤ، من بينها “كالشي”، الأمر الذي شكل انتكاسة للشركة بعد فترة قصيرة من دخولها السوق البرازيلية.
وبينما تعتبر بعض الدول هذه العقود شكلاً من أشكال المراهنة الخاضعة لقوانين المقامرة، ترى جهات أخرى أنها تندرج ضمن فئة الأوراق المالية أو المشتقات المالية. وفي هذا السياق، استفادت الشركات الناشئة من حالة الغموض القانونية المحيطة بمنتجاتها الجديدة لتقديمها للعملاء، في وقت يكافح فيه المنظمون للإلحاق بالتطورات.
بدورها، قالت الشريكة المؤسسة في “برايميتيف فنتشرز”، الداعمة لمنصة “أوبينيون لابس” دوفي وان، لوكالة بلومبيرغ: “تدخل أسواق التنبؤ المرحلة نفسها التي تدخلها أي أداة مالية مبتكرة جديدة: تبدأ كسوق للهواة، ثم تجذب الجماهير، ثم تبدأ معارك الشرعية القانونية”. وأضافت: “إن الحظر الأخير يعني أن هذه الفئة أصبحت مهمة بما يكفي لتخضع للتنظيم”.
وقال الشريك في شركة “إتش إم ستراتيجي” الاستشارية في سنغافورة كريس هولاند: “المراهنة ليست جديدة، لكن الجديد هو الهيكل التنظيمي”. وأضاف أن عقود أسواق التنبؤ تُصنف عادة كمشتقات مالية، ما يجعلها خارج أطر تراخيص المقامرة. وقال: “هذه الفجوة تمثل دعوة مفتوحة للمطلعين”، وفقاً لما ذكرته “بلومبيرغ”.
ويؤكد مشغلو هذه المنصات أنها توفر معلومات قيمة من خلال تجميع توقعات المستخدمين بشأن قضايا تمتد من الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية. في المقابل، يرى منتقدون أن هذه الأسواق قد تشجع على المضاربات المفرطة وتفتح المجال أمام التداول بناءً على معلومات داخلية. وذكرت “بلومبيرغ” أنه رغم هيمنة “كالشي” و”بولي ماركت” على القطاع، فإن منصات أخرى تواصل التوسع عالمياً، من بينها “أوبينيون لابس” المدعومة من YZi Labs التابعة للمؤسس المشارك لـ”بينانس” تشانغبينغ تشاو، بالإضافة إلى منصة “ليمتلس” المدعومة من “كوين بيس فنتشرز”.
وقبيل انطلاق البطولة، أبرمت منصات عدة اتفاقيات تسويقية مع أندية ودوريات كرة قدم بهدف تعزيز حضورها خلال كأس العالم 2026. كما يواصل هذا القطاع تحقيق نمو قوي، إذ وصف محلل “بايبر ساندلر” باتريك مولي كأس العالم بأنه أشبه بـ”سوبر بول يومي”، مشيراً إلى أنه دفع أحجام التداول اليومية على منصة “كالشي” إلى مستويات قياسية منذ الجمعة الماضية.
وبحسب بيانات جمعها مستخدمون عبر منصة “ديون أناليتكس”، بلغ حجم التداول الاسمي على “بولي ماركت” نحو 2.8 مليار دولار خلال الأسبوع الأول من يونيو/حزيران عبر منصاتها الدولية والأميركية، مقارنة بـ2.1 مليار دولار في الأسبوع السابق. أما “كالشي” فأعلنت تسجيل نحو 4.5 مليارات دولار خلال الفترة نفسها، مقابل 4.2 مليارات دولار قبل ذلك بأسبوع.
ويعد ضبط عمل هذه المنصات تحدياً للجهات التنظيمية، إذ تتميز بقدرتها على التوسع السريع عبر الحدود، على عكس الشركات التقليدية التي تعمل ضمن نطاقات جغرافية محددة. كما أن استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) والعملات المشفرة يسهل الوصول إلى هذه الأسواق ويصعّب جهود إغلاقها بشكل كامل.
وفي الهند، قالت الحكومة إن المستخدمين تمكنوا من الوصول إلى منصات تنبؤ “غير قانونية ومحجوبة”، مشيرة إلى أن “بولي ماركت” ومنصات مشابهة تسمح باستخدام الشبكات الخاصة الافتراضية لتجاوز القيود المحلية، وطالبت مزودي خدمات الإنترنت بحجبها. وتمنع شروط الاستخدام الخاصة بكل من “بولي ماركت” و”كالشي” التسجيل في عدد من الدول الخاضعة للقيود، كما عززت الشركتان أنظمة الرقابة الداخلية لمكافحة التداول بناءً على معلومات داخلية والتلاعب بالسوق، بحسب “بلومبيرغ”.
وفي هذا السياق، تتعاون “بولي ماركت” مع شركة “تشيناليسيس” المتخصصة في تحليلات البلوك تشين لرصد المعاملات المشبوهة ومراقبة نشاط المستخدمين. وبحسب “بلومبيرغ”، قال متحدث باسم “بولي ماركت” عبر البريد الإلكتروني: “نرحب بفرصة التعاون مع إسبانيا والبرازيل ودول أخرى لإيجاد مسار مستقبلي يدعم الابتكار المسؤول والشفافية وحماية المستخدمين في أسواق التنبؤ”. وأضاف أن الشركة تراقب التداولات الداخلية وغيرها من الأنشطة غير القانونية بما يتماشى مع المعايير المعمول بها في الأسواق الأخرى.
أما كبير مسؤولي الاستثمار في “أوبينيون لابس” أليكس تشان، قال إن الشركة قيدت الوصول للمستخدمين من عدد من الولايات القضائية المختلفة، كما حجبت جميع العناوين الخاضعة للعقوبات. وأضاف في رد عبر البريد الإلكتروني: “نعمل بشكل وثيق مع عدد من السلطات المحلية لإطلاق منصات محلية متوافقة مع القوانين”
من جهتها، قالت “كالشي” إنها تطبق إجراءات حماية تشمل التحقق من هوية العملاء ومتطلبات الإفصاح الخاصة بالموظفين. وقالت المستشارة القانونية الدولية للشركة فاليريا فوتيراكو في تعليق عبر البريد الإلكتروني: “نجري مناقشات نشطة مع الجهات التنظيمية في عدد من الولايات القضائية التي نأمل التوسع فيها”. وأضافت: “مع تزايد الاهتمام بأسواق كأس العالم، تظلّ نزاهة السوق أولوية قصوى”. وفي المقابل، لم تستجب منصة “ليمتلس” لطلبات التعليق.
