أخبار الرياضة

ماذا بعد سردية الانتصار وهل تكرّس مفاوضات واشنطن فصل المسارين اللبناني والإيراني؟

بيروت ـ «القدس العربي»: يؤكد أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم على تكرار مقولة «النصر» في مواجهة إسرائيل، وآخرها قوله «كل خطوة نرفض فيها الاحتلال تعد انتصاراً لنا»، مضيفاً «أن نمنع العدو من تحقيق أهدافه فهذا نصر، وأن تشعل دماء الشهداء قلوب المؤمنين بالمسؤولية وحفظ الأمانة فهو نصر». ويأتي هذا الموقف بعد توجيه قاسم التهنئة بالنصر الكبير للجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية، وسعيه لاستثمار هذا النصر في الداخل اللبناني من خلال تحديد سقف للمفاوضات مع إسرائيل وتأكيده أن أي مشروع حول السلاح لن يمر.غير أن هذا التأكيد من قبل أمين عام «الحزب» بدأ يثير استغراب البعض في لبنان لأنه يتجاهل حجم القتل والدمار والتهجير الذي يبقى شاهداً على حجم النكبة في الجنوب كما وصفها وزير المال ياسين جابر. ما يعني في رأي هذا البعض أن خطاب الشيخ نعيم بات منفصلاً عن الواقع من خلال تمسكه بسردية الانتصار.ويقول هذا البعض، صحيح إن أمين عام «حزب الله» السابق السيد حسن نصرالله وصف ما حصل بعد حرب تموز/يوليو بأنه «نصر إلهي» إلا أنه لم ينكر حجم التداعيات التي خلّفتها تلك الحرب على لبنان وعلى البيئة الحاضنة وتمتع بقدر من الواقعية السياسية عندما أطلق عبارته الشهيرة «لو كنت أعلم» في إشارة إلى أنه لو كان يعلم أن عملية أسر الجنود الإسرائيليين ستقود إلى حرب بهذا الحجم لما أقدم عليها. في حينه، اعتبر كثيرون أن هذا الموقف، سواء اتفقوا معه أم اختلفوا، يعكس اعترافاً ضمنياً بكلفة القرار.أما اليوم، فإن المشهد مع الشيخ نعيم ومع قياديي «الحزب» يبدو مختلفاً. فبدلاً من المصارحة والمراجعة، يطغى خطاب الإنكار والتبرير. لا اعتراف بحجم الضربات التي تعرض لها «الحزب»، ولا نقاش جدياً حول الخسائر البشرية والعسكرية، ولا مراجعة للنتائج التي ترتبت على لبنان ككل. وكأن المطلوب من اللبنانيين أن يتجاهلوا ما رأوه بأعينهم من دمار واسع وخسائر فادحة وأن يقتنعوا بأن مجرد استمرار «الحزب» في الوجود هو بحد ذاته انتصار، في تجاهل للثمن الباهظ الذي دفعه الجنوب والبقاع والضاحية ومعهم لبنان باقتصاده وهجرة شبابه.ويزداد الجدل حدة عندما يقترن خطاب «الانتصار» بالرفض القاطع لأي نقاش حول مستقبل سلاح حزب الله. فبدلاً من اعتبار ما جرى مناسبة لإعادة تقييم الدور الحقيقي للترسانة العسكرية لـ «الحزب» في حماية لبنان وردع إسرائيل، يتم التعامل مع السلاح على أنه من نقاط قوة لبنان وأنه خارج أي نقاش بهدف إبقاء البلاد تحت سطوة هذا السلاح ورهينة صراعات وحروب جديدة.أكثر من ذلك، فبعد إعراب «حزب الله» عن ارتياحه إلى الاتفاق الأمريكي الإيراني واعتباره أن الجمهورية الإسلامية تمكنت من تحسين شروطها وتوصلت إلى وقف لإطلاق النار على كل الجبهات ومن ضمنها لبنان، فقد بدأ «الحزب» يحدد مهلة شهرين لانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان قبل أن يُفاجأ بجولة تصعيد جديدة.ووسط كل هذا الجدل وما رافق توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني من تهليل لدى الثنائي الشيعي الذي يؤكد أن إيران ومعها «حزب الله» خرجا منتصرين من الحرب، أسقط رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع هذا الانطباع، وخالف المناخات التي تم التسويق لها بأن موازين القوى عادت لمصلحة محور الممانعة بما يتيح له إعادة فرض شروطه على الدولة اللبنانية وسائر الأفرقاء السياسيين المحليين وإبقاء الوقائع الداخلية على حالها وخصوصاً الإبقاء على السلاح.وقدّم جعجع قراءة مغايرة لما جرى بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الملفات الخلافية الجوهرية لم تُحسَم وما حصل لا يتجاوز إعادة الأمور إلى مرحلة التفاوض التي سبقت الحرب الأخيرة، أي إلى ما قبل 28 شباط/فبراير.وبعد التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير الذي أسفر عن سقوط 47 شهيداً و97 جريحاً بين الجنوب والبقاع على المقلب اللبناني و4 قتلى و17 جريحاً على المقلب الإسرائيلي، ازدادت االقناعة بأن تل أبيب لا تلتزم بوقف الأعمال العدائية الواردة في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية وأن حربها مع «حزب الله» لم تنته بتوقيع المذكرة، وأنها ترفض أي ترتيبات تُبقي السلاح بيد «الحزب».ثم أتت العقوبات الأمريكية على نائب رئيس المجلس السياسي لـ «الحزب» محمود قماطي وأبرز حلفاء «حزب الله» رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية لتحمل رسالة سياسية واضحة بأن واشنطن ترفض عرقلة جهود السلام وتعتبر أن إنهاء النفوذ العسكري والأمني للحزب هو المدخل الإلزامي لإعادة بناء الدولة اللبنانية واستعادة سيادتها، إضافة إلى تكرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعواته للرئيس السوري أحمد الشرع للتدخل في لبنان بهدف قتال «حزب الله»، مع ما تحمل كل هذه المعطيات بأن لا صفقة مع إيران على حساب الدولة اللبنانية ولصالح أحد أبرز أذرعها في المنطقة، وأي اتفاق بين واشنطن وطهران لا يعني الإبقاء على سلاح «الحزب» في لبنان.أما الرسالة الثانية من طلب ترامب تدخل الرئيس الشرع فهي موجهة على الأرجح إلى الحكم في لبنان لحسم الأمور وعدم إضاعة الوقت في تنفيذ القرارات الحكومية بحصرية السلاح بيد الدولة تحت طائلة تكليف أطراف أخرى بهذه المهمة، علماً أن الظروف اليوم تبدو ملائمة أكثر لاتخاذ القرارات مما كانت عليه في سنوات سابقة بوجود غالبية شعبية رافضة لاستمرار السلاح غير الشرعي ومقتنعة أكثر بضرورة قيام دولة فعلية.وعشية استئناف المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة في واشنطن، حضرت هذه المسائل في الاتصال الذي تلقاه رئيس الجمهورية العماد جوزف عون من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي أكد وقوف الولايات المتحدة إلى جانب لبنان، ومواصلة العمل من أجل تعزيز الأمن والاستقرار فيه، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، ودعم مؤسساتها الشرعية والأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني. وهذا يعني أن الإدارة الأمريكية ما زالت تراهن على الدولة اللبنانية وتؤكد على ما ورد في «إعلان واشنطن» الأخير الذي وضع خريطة طريق لإنهاء الحرب وحالة العداء مع إسرائيل، وبالتالي ستسمح الجولة الجديدة من المفاوضات الأسبوع المقبل في تبديد المناخات التي تكوّنت بعد مذكرة التفاهم والتي جعلت البعض أسيراً لاستنتاجات وتحليلات تربط تارة بين المسار الإيراني والمسار اللبناني ويتخوف طوراً من تغييب مسألة سلاح «حزب الله» وانسحاب الجيش الإسرائيلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى