
يبدو أن سوق الهواتف الذكية دخل مرحلة صعبة، لم تعد مرتبطة فقط بضعف الطلب أو تأخر المستخدمين في تحديث أجهزتهم، بل بأزمة أكبر تتعلق بسلاسل التوريد العالمية، حيث يعاني السوق من نقص متزايد في رقائق الذاكرة الضرورية لكافة الهواتف تقريباً، الأمر الذي يضع ضغوطاً على الشركات من جهة، والمستهلكين من جهة أخرى، خاصة في ظل توجه مصانع الرقاقات إلى تلبية الطلب المتزايد من مراكز البيانات التابعة للذكاء الاصطناعي.
توقعات بانخفاض مبيعات الهواتف عالمياً في 2026
وفق البيانات الحديثة التي نقلتها وكالة رويترز عن شركة counterpoint research، فإن شحنات الهواتف الذكية عالمياً قد تتراجع خلال سنة 2026 بنسبة تصل إلى 13.9%، لنحو 1.08 مليار وحدة، مما يشير إلى أضخم انخفاض سنوي في تاريخ السوق، ويفسر ذلك بتغيرات أوسع في عادات التصنيع والطلب؛ فالهواتف الرخيصة تصبح أكثر صعوبة في الإنتاج، وتتزايد الأسعار، وقد تخرج شركات كبيرة أكثر قوة من الأزمة.
السوق يعاد تشكيله بشكل جذري
تقرير رويترز الصادر في 1 يونيو 2026، يوضح أن توقعات شركة counterpoint research تم تعديلها، وأصبح من المتوقع أن تنخفض الشحنات العالمية بنسبة 13.9% خلال 2026، فيما استمرت الأسعار بالجملة في الارتفاع بنسبة 14% في الربع الأول، في حين تراجعت الشحنات بنسبة 3.1% على أساس سنوي، مما يعكس معادلة خطيرة تؤثر على السوق بشكل كبير، وتدفع المستهلكين للتردد في الشراء، خاصة في الأسواق الحساسة للسعر.
تأثير أزمة رقائق الذاكرة على صناعة الهواتف
رقائق الذاكرة مثل DRAM وNAND أصبحت تتطلب استثمارات موجهة أساساً لمراكز البيانات وخوادم الذكاء الاصطناعي، مما يقلل من توفرها للأجهزة الاستهلاكية، وهذا يرفع تكلفتها ويحد من خيارات الهواتف ذات الفئة الاقتصادية والمتوسطة، خاصة أن الشركات لا تستطيع ببساطة رفع أسعارها بشكل كبير دون فقدان سوقها المستهدفة، وهو ما يفاقم من الأزمة الحالية.
عوامل جيوسياسية تؤجج الأزمة
العوامل الجيوسياسية، خاصة النزاعات مثل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، زادت من تعقيد سلاسل الإمداد، ورفعت من مستوى عدم اليقين في السوق، مما يضغط على الشركات ويحول التركيز من الأسواق العالمية إلى تقنيات أكثر ربحية واستراتيجية، مثل الذكاء الاصطناعي وتطوير رقاقات الذاكرة عالية الأداء.
تأثير الأزمة على الهواتف ذات الأسعار المنخفضة
الهاتف الذي يقل سعره عن 150 دولاراً هو الأكثر تعرضاً للضغوط، لأن هوامش الربح فيه ضيقة، وأي ارتفاع في تكلفة مكونات مثل الذاكرة والتخزين قد يجعل إنتاجه غير مربح، الأمر الذي قد يؤدي إلى تقليص أو حتى إيقاف إنتاج العديد من نماذج الهواتف الاقتصادية، وهو تأثير مهم للمستهلكين في الأسواق الناشئة، ومنها أفريقيا والشرق الأوسط، حيث يشكل الهاتف الاقتصادي المدخل الأساسي إلى الإنترنت والخدمات الرقمية.
أفضل أوضاع شركات التكنولوجيا الكبرى
الشركات التي تعتمد على البيع بأسعار مرتفعة، وتتمتع بعلاقات توريد قوية وهوامش ربح واسعة، تبدو أكثر قدرة على تحمل آثار الأزمة، حيث من المتوقع أن تظل شحناتها مستقرة أو ترتفع قليلاً، مثل Apple التي قد تتوقع استقرار الشحنات في 2026 وارتفاع بسيط في 2027، بينما من المتوقع أن تتراجع شحنات Samsung بنسبة 4% خلال نفس الفترة.
| الشركة | توقعات تراجع الشحنات في 2026 |
|---|---|
| Apple | مستقرة أو ارتفاع 5% |
| Samsung | تراجع بنسبة 4% |
| Transsion | تراجع بنسبة 32% |
| Xiaomi | تراجع بنسبة 28% |
| Honor | تراجع بنسبة 20% |
اتجاه السوق نحو الهواتف ذات الأسعار الأعلى
مع ارتفاع تكلفة المكونات، يتجه المصنعون نحو الفئة الأعلى من الهواتف، حيث تمكنهم من تحقيق هامش ربح أكبر يسمح لهم بمواجهة التكاليف المتزايدة، الأمر الذي قد يقلل من توافر الهواتف الاقتصادية، ويؤدي إلى زيادة الطلب على الهواتف المتوسطة والعالية المواصفات، خاصة التي تتضمن ميزات متطورة في الكاميرات والبطاريات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يرفع الحد الأدنى سعر الهاتف الجديد.
تأثير الأزمة على المستهلك المحلي في المغرب
على الرغم من أن البيانات تتعلق بالسوق العالمي، إلا أن آثار الأزمة ستنعكس على المستهلك المغربي عبر ارتفاع أسعار بعض الموديلات، أو نقص في توفر الأجهزة الاقتصادية، أو تأخر وصول بعض الطرازات، فضلاً عن احتمالية التوجه نحو شراء هواتف مستعملة أو مجددة، مع ضرورة أن يكون المستهلك أكثر حذرًا، ويقارن الأسعار، ويهتم بالضمان، ويحافظ على جهازه لفترة أطول لتفادي التكاليف الزائدة.
هل الأزمة مؤقتة أم بداية لعصر جديد في سوق الهواتف؟
المعطيات الحالية تشير إلى أن الأزمة ربما لا تكون مؤقتة، مع توقع استمرار الضغوط على سوق رقائق الذاكرة حتى 2027، وربما تعافي السوق مع حلول 2028، إلا أن الصناعة قد تكون دخلت بالفعل مرحلة جديدة، حيث تتقلص فئة الهواتف الاقتصادية، ويزداد التركيز على المنتجات ذات السعر الأعلى، مع تنافس أكبر بين موردي الرقاقات والتقنيات التابعة للذكاء الاصطناعي، مما يعيد تشكيل ملامح سوق الهواتف الذكية بشكل جذري.
الخبرة من استمرار تدهور السوق لا يجب أن تُفسر فقط كمؤشر اقتصادي، وإنما كعلامة على تحولات جذرية فيالتكنولوجيا والهياكل السوقية، حيث قد تصبح رقاقات الذكاء الاصطناعي التي تشغل مراكز البيانات السبب في ارتفاع أسعار الهواتف وتقليل تنوعها في الأسواق العالمية.
