ميسي ومفارقة الأسطورة.

حتى العباقرة لديهم جوانبهم المظلمة.
كان الفوز 3-2 على مصر صباح يوم 8 يوليو بمثابة نجاة ضيقة للأرجنتين حاملة اللقب، كما أنه عكس بوضوح الصورة المتناقضة لميسي في كأس العالم 2026.
في الدقيقة 21، احتُسبت ركلة جزاء للأرجنتين بعد عرقلة هيسم حسن لإنزو فرنانديز داخل منطقة الجزاء. شكّلت هذه الركلة فرصة ذهبية لمنتخب أمريكا الجنوبية لمعادلة النتيجة بعد أن كان إبراهيموفيتش قد افتتح التسجيل لمصر.
تقدم ميسي لتنفيذ ركلة الجزاء بصفته أهم لاعب في الفريق ومرشحًا مباشرًا لجائزة الحذاء الذهبي. إلا أن تسديدة ميسي تصدى لها مصطفى شبير ببراعة، ليُدخل الأرجنتين في صراع مثير على التقدم.
من نقطة الجزاء، حيث أظهر العديد من الأساطير براعتهم، دخل ميسي التاريخ بطريقة غير مرغوبة. فقد أصبح أول لاعب يُهدر ركلتي جزاء في كأس عالم واحدة، باستثناء ركلات الترجيح بعد الوقت الإضافي. وقبله، أهدر أسامواه جيان من غانا أيضاً عدة ركلات جزاء في مسيرته بكأس العالم، لكن ذلك حدث في بطولتين مختلفتين، عامي 2006 و2010.
لحظة إضاعة ميسي لركلة الجزاء.
ليست هذه الخدوش جديدة. ففي عام 2018، أهدر ميسي ركلة جزاء في الدقيقة 64 أمام أيسلندا، وهي فرصة كانت كفيلة بمنح الأرجنتين التقدم على إنجلترا بعد التعادل 1-1. وفي كأس العالم قطر 2022، سدد خمس ركلات جزاء، مسجلاً أربعة أهداف، من بينها هدف في المباراة النهائية ضد فرنسا، لكن تم إلغاء هدف له في مباراة الفوز 2-0 على بولندا في دور المجموعات.
استمرت تجربة كأس العالم 2026 ككابوسٍ مُرعب. ففي مباراة النمسا، أهدر ركلة جزاء، لكنه سجل هدفين ليقود الأرجنتين للفوز 2-0. وفي مباراة مصر، كان السيناريو مشابهاً، لكن في ظل ظروف أكثر توتراً. كانت الأرجنتين متأخرة 0-2، والوقت ينفد، وبدا الإقصاء وشيكاً. ثم مرر ميسي كرة حاسمة لكريستيان روميرو ليقلص الفارق في الدقيقة 79، قبل أن يسجل هدف التعادل بنفسه في الدقيقة 83، ليفتح الباب أمام عودة الأرجنتين.
هذا هو الجانب الأكثر تميزاً في قصة ميسي: أسطورة لا تزال لها جوانبها المظلمة. فهو يُظهر عظمته ليس فقط من خلال لحظاته المثالية، بل أيضاً من خلال قدرته على تصحيح أخطائه.
سجل ميسي هدف التعادل للأرجنتين.
قد يعجبك أيضاً
كان هدف ميسي ضد مصر هو هدفه الثامن في كأس العالم 2026، مما منحه الصدارة في سباق جائزة الحذاء الذهبي. قبل هذه الجولة من المباريات، كان لكل من مبابي وهالاند سبعة أهداف، بينما بقي هاري كين قريبًا منهما بستة أهداف.
حلّ ميسي ثانياً في سباق جائزة الحذاء الذهبي لكأس العالم 2022 خلف مبابي، رغم قيادته الأرجنتين للفوز. وفي عام 2014، كان من بين اللاعبين الذين احتلوا المركز الثالث برصيد 4 أهداف.
الآن، في كأس العالم 2026، يملك ميسي فرصة الفوز باللقب الفردي الوحيد الذي ينقص مجموعته الرائعة. لكن ما تملكه الأرجنتين فيه يتجاوز مجرد سباق تسجيل الأهداف. فهم يرون فيه مصدراً أساسياً للدعم المعنوي، وشخصاً يحافظ على روح الفريق متقدة في أصعب اللحظات.
وصف لاوتارو مارتينيز ميسي بأنه “قدوة” و”مرشد”. ووصفه جوليان ألفاريز بأنه “أسطورة” و”أعظم لاعب في التاريخ”. هذه الكلمات ليست مجرد إشادة برمز من رموز كرة القدم، بل تعكس واقع الأرجنتين اليوم: فحتى في أحلك الظروف، يبقى ميسي هو مفتاح النجاح.
كأس العالم 2026 والحالات الشاذة المحيطة بركلات الترجيح.
كان إضاعة ميسي لركلة الجزاء أمام مصر لحظةً شخصيةً مؤلمة، لكنها أيضاً جزءٌ من الصورة الأوسع لكأس العالم 2026. تشهد بطولة هذا العام نسبة نجاح منخفضة بشكلٍ غير معتاد في ركلات الجزاء. فبحسب أوبتا، لم يُسجّل اللاعبون سوى 32 ركلة جزاء من أصل 49، بنسبة 65.3%، وهي الأدنى منذ عام 1966.
يُظهر هذا الرقم أن نقطة الجزاء في كأس العالم 2026 لم تعد ملاذاً آمناً. فضغط البطولة، والتحضير الدقيق لحراس المرمى، وثقل كل لحظة، تجعل الركلات التي تبدو بسيطة أثقل من أي وقت مضى.
ميسي، كأسطورة، ليس استثناءً من هذه القاعدة. في الواقع، الضغط عليه أكبر من أي لاعب آخر. كل تسديدة يسددها ميسي ليست مجرد مهارة فنية، بل حدث تاريخي. عندما يسجل، ينتظره العالم بفارغ الصبر. وعندما يخطئ، تُسجل تلك اللحظة فورًا في التاريخ.
لكن أداء ميسي في كرة القدم لم يُقاس قط بتسديدة واحدة. فإذا كانت نقطة ضعفه تظهر عند ركلات الجزاء، فإن انسيابية اللعب هي التي تُعيد إليه قوته. أمام مصر، كاد مصطفى شبير أن يهزمه في الدقيقة 21، لكنه في الدقيقتين 79 و83، صنع هدفًا وسجل آخر، لينقذ الأرجنتين من الهزيمة.
هذه هي المفارقة التي تمنح ميسي مكانته في كأس العالم 2026. قد لا يكون مثالياً، لكنه يبقى لاعباً لا يُعوَّض. بإمكانه تسجيل رقم قياسي كارثي، ثم بعد دقائق معدودة يُبدع لحظة تجعل ذلك الرقم القياسي أقل أهمية من القصة الكاملة.
عندما أُطلقت صافرة النهاية، انهمرت دموع ميسي. لم تكن تلك الدموع مجرد فرحة بالفوز، بل كانت أيضاً بمثابة تحرر لرجلٍ تجاوز للتو الخط الفاصل بين الخطأ والخلاص، بين الهاوية والنور.
بالنسبة للعديد من اللاعبين، قد يصبح خطأ من ركلة جزاء وصمة عار يصعب محوها. أما بالنسبة لميسي، فكانت مجرد بداية لعودة مذهلة أخرى. ولهذا السبب، حتى في الليلة التي حطم فيها رقماً قياسياً غير مرغوب فيه، كان على كرة القدم أن تخضع لغريزة البقاء لدى أسطورة.
المصدر:




