أزمة الحوكمة تعيد ملف إصلاح فيفا إلى الواجهة بعد كأس العالم

لم تعد إدارة كرة القدم مجرد شأن رياضي خالص، بل تحولت إلى منظومة معقدة من الحوكمة والمال والنفوذ، حيث يمر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حالياً بواحدة من أكثر مراحله حساسية، خاصة بعد الجدل الذي أثارته خطة رئيسه جياني إنفانتينو لبيع حصص من العوائد التجارية لكأس العالم لمستثمرين من القطاع الخاص، وهي الخطوة التي واجهت معارضة واسعة داخل أروقة اللعبة، مما أعاد ملف إعادة هيكلة المؤسسة إلى واجهة النقاش، وسط قناعة بأن الأزمة تتجاوز مجرد مشروع استثماري متعثر.
اختلالات هيكلية تتجاوز مجرد المشاريع العابرة
وبحسب ما أورده موقع «أقرأ نيوز 24»، يرى خبراء الحوكمة الرياضية ومسؤولون سابقون في «فيفا» أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على مشروع تم التراجع عنه، بل تكشف عن اختلالات هيكلية عميقة في طريقة إدارة الاتحاد الدولي، وهو ما يستدعي إصلاحات جذرية تعيد التوازن بين المصالح التجارية والضوابط التنظيمية والرقابية، ويبرز في مقدمة هذه المقترحات ضرورة فصل الأدوار داخل المؤسسة، بحيث لا تكون الجهة التي تنظم كأس العالم وتسعى لتعظيم إيراداتها هي ذاتها التي تضع اللوائح وتفسرها وتراقب تطبيقها، وذلك لمنع تضارب المصالح الذي أصبح أكثر وضوحاً خلال البطولة الأخيرة.
أبرز مقترحات الإصلاح لاستعادة الثقة
تتقاطع رؤى المصلحين حول مجموعة من الخطوات العملية التي تهدف إلى تصحيح المسار، وأهمها:
- فصل الأدوار التجارية عن المهام التنظيمية والرقابية لضمان النزاهة.
- تأسيس هيئة رقابية مستقلة على غرار الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات (وادا).
- تقليص صلاحيات الرئيس في الملفات المالية والإدارية ومنح مجلس «فيفا» دوراً أكبر في القرارات الاستراتيجية.
- تعزيز معايير الشفافية في آليات اتخاذ القرار وتوزيع أموال التطوير على الاتحادات الوطنية.
- إخضاع كافة برامج الدعم المالي لمراجعات وتدقيقات مستقلة يمكن التحقق منها.
- توسيع قاعدة صنع القرار لتشمل الأندية واللاعبين والمدربين وممثلي كرة القدم النسائية.
ويؤكد مؤيدو هذه التوجهات أن الاعتماد على الرقابة الداخلية لم يعد كافياً في ظل تضخم الإيرادات المالية، خاصة في ملف التطوير الذي يحتاج إلى إعادة نظر شاملة، إذ تحصل الاتحادات الوطنية حالياً على مخصصات متقاربة رغم التفاوت الكبير في البنية التحتية وأعداد الممارسين، مؤكدين أن ربط التمويل بمؤشرات أداء قابلة للقياس سيكون أكثر فاعلية من سياسة التوزيع المتساوي المتبعة حالياً.
أزمة المدن المستضيفة وتزايد الضغوط المالية
وفي تطور يزيد من حدة الجدل، طالبت المدن الأمريكية التي استضافت مباريات كأس العالم 2026 بالحصول على ملايين الدولارات التي وُعدت بها ولم تتسلمها حتى الآن، حيث كان إنفانتينو قد أعلن تخصيص مليون دولار لكل مدينة من المدن الإحدى عشرة المستضيفة ضمن برنامج «إرث البطولة»، لدعم مشاريع اجتماعية وإنشاء ملاعب مصغرة، إلا أن مسؤولين أكدوا أن الالتزام كان شفهياً ولم يتم تحويل أي مبالغ فعلياً، ما دفع هذه المدن لمطالبة الاتحاد بتوضيح موعد الصرف، خاصة أن هذه المبالغ تبدو متواضعة جداً مقارنة بإيرادات «فيفا» الضخمة.
| البند المالي | القيمة التقديرية / المبلغ |
|---|---|
| إيرادات «فيفا» (دورة 2023-2026) | أكثر من 15 مليار دولار |
| ميزانية تشغيل المونديال | نحو 2.7 مليار دولار |
| دعم «إرث البطولة» لكل مدينة مستضيفة | 1 مليون دولار |
| استثمارات عامة (لجنة كانساس سيتي) | 86.8 مليون دولار |
| مساعدات فيدرالية (لجنة كانساس سيتي) | نحو 75 مليون دولار |
البُعد الاقتصادي وتأثيرات البطولة
ورغم الخلافات المالية، ساهم كأس العالم في تحفيز السياحة وتنشيط الاقتصاد في المدن المستضيفة، رغم التكاليف التشغيلية المرتفعة المتعلقة بالأمن والنقل، وقد ذكر موقع «أقرأ نيوز 24» أن نيويورك ونيوجيرسي توقعتا نشاطاً اقتصادياً بقيمة 3.3 مليار دولار، فيما قُدّر الأثر المشترك في منطقة خليج كاليفورنيا بنحو 1.4 مليار دولار، وإن كانت هذه التوقعات قد واجهت بعض التشكيك لاحقاً.
وتتقاطع هذه الملفات مع توجهات أوسع في منطقة الشرق الأوسط والعالم، حيث تحول الاستثمار الرياضي إلى ركيزة اقتصادية وتنموية، مما يجعل شفافية إدارة المال الرياضي مطلباً يتجاوز حدود اللعبة، وتزداد الضغوط حالياً على إنفانتينو مع تصاعد دعوات بعض معارضيه بوقف التعاون مع الاتحاد ما لم يتنحَّ عن منصبه.
نحو مشاركة أوسع وشفافية مؤسسية
لا تتوقف الرؤية الإصلاحية عند تعديل الهيكل الإداري، بل تمتد لتعزيز الشفافية عبر نشر تفاصيل دقيقة عن آليات اتخاذ القرار، والإفصاح الواسع عن كيفية توزيع أموال التطوير، وإخضاعها لمراجعات مالية مستقلة، كما يطرح بعض المصلحين منح الجماهير دوراً استشارياً في الملفات الكبرى، إلى جانب تمثيل كافة أطراف اللعبة في صناعة القرار، وفيما يخص المدن المستضيفة، تزداد التعقيدات مع سعي بعضها لإعداد تقاريرها المالية النهائية دون وضوح بشأن مساهمة الاتحاد، مما يفتح جبهة انتقادات جديدة في أعقاب البطولة.
في الختام
تعكس أزمة «فيفا» تحولاً جوهرياً في طبيعة النقاش حول كرة القدم العالمية، من التساؤل حول «من يرأس الاتحاد» إلى التساؤل عن «كيف يُدار»، فمستقبل المؤسسة لن يتحدد بهوية رئيسها المقبل فحسب، بل بقدرتها على استعادة الثقة عبر إصلاحات تحد من تركيز السلطة وتعزز الشفافية، ويبقى السؤال قائماً حول ما إذا كانت الإصلاحات المؤسسية كافية، أم أن الأمر يتطلب رقابة خارجية دائمة.




